logo.jpg

أقسمت أمام الجميع أنني لم أتعرض لما يخشونه.. فاستقبلوني بفرح



“كبر سني وشكلي، بالإضافة إلى رجاحة عقل زوجي وتفهمه وحبه لي، هو أكثر ما ساعدني على تجاوز فترة اعتقالي التي دامت نصف العام، قضيتها كلها في فرع أمني واحد في مدينتنا، وخرجت عندما تمكن الثوار من تحرير الفرع، لست شابة صغيرة، ولست جميلة، لذلك اقتنع الكثيرون بعدم تعرضي للاغتصاب في سجون النظام”، اختارت وردة السيدة الخمسينية أن تبدأ حديثها بهذه الكلمات، والسبب: “كان السؤال الحاضر في عيون الجميع، والأول على ألسنة الغالبية عندما خرجت هو: هل اقترب منك أحد الكلاب؟ هل لمسك أحدهم؟ والبعض قالها بوضوح أكثر: هل تعرضت للاغتصاب كما نسمع عن المعتقلات؟”.

أضافت وردة: “بالفعل أنا لم أتعرض للاغتصاب، ربما بسبب عمري، وربما لم تسنح لهم الفرصة، فقد كانت لديهم الكثير الكثير من أساليب الضغط النفسي ليمارسوها علي وعلى الكثيرين والكثيرات، ومن بينها تعذيب المعتقلين والمعتقلات واغتصابهم أمامنا، وتهديدنا باقتراب دورنا”.

أقسمت أمام الجميع بأنني لم أتعرض لما يخشون منه، فاستقبلوني بفرح عارم، ومنحوني كل الحب، ولكنني لا أجرؤ حتى اللحظة بأن أحدثهم عن تلك المشاهد

رأيتهم وهم يعتدون على فتيات صغيرات، وشبانا ورجالا، وهو ما سبب لي حالات إغماء متكررة، نقلت على إثر إحداها وبعد جلسة تعذيب إلى مشفى عسكري في منطقة قريبة من المدينة، وبقيت هناك مدة أسبوع فاقدة الوعي.

أقسمت أمام الجميع بأنني لم أتعرض لما يخشون منه، فاستقبلوني بفرح عارم، ومنحوني كل الحب، ولكنني لا أجرؤ حتى اللحظة بأن أحدثهم عن تلك المشاهد، فالأمر خطير جدا بالنسبة لهم، حتى لو لم أكن أنا من كان يغتصب أمام زملائه، وحتى ولو كنت مجبرة على حضور جلسات التعذيب تلك، وأخشى لو تحدثت عنها للعلن أن يبدأ الشك بي.

زوجي وأبنائي وإخوتي وكل المحيطين بي كانوا متفهمين، وكانوا في البداية يحاولون تجنب الحديث عن المعتقل، ويطلبون من كل من نلتقي بهم عدم الخوض في الموضوع حرصا على راحتي النفسية، لكن أي تغيير في تعامل أحدهم أو اختلاف بنبرة صوته كان يقلقني.

في كثير من الأحيان كنت أرى تساؤلات في عيون زوجي، تنتظر الإجابة، وجميعها تدور في الفلك ذاته، وقليلا ما ترجمها بلسانه، إلا أنه يعرفني ويحفظني، ولهذا لا يلح على بالإجابة بأكثر مما أتفوه به، وفي كل مرة كان يشعر بالندم ويصالحني.

ثم تطور الأمر عندما اتصل بي أحد الناشطين، وطلب إلى إجراء لقاء للحديث عن اعتقالي، لأول مرة لم أرفض مباشرة بل طلبت وقتا للتفكير، ناقشت الأمر مع زوجي وعائلتي الذين رفضوا بداية الأمر، غير أنهم نزلوا عند رغبتي، وأجريت اللقاء بحضور زوجي الذي اشترط ذلك، كما اشترط عدم نشر اسمي الحقيقي وصورتي على أي وسيلة إعلامية أو حقوقية أو موقع تواصل اجتماعي، فضلا عن قدرتنا على إنهاء اللقاء أو إلغائه في اللحظة التي نريد في حال رأى أي تأثير سلبي علي.

انتهى اللقاء الأول، وكان صعبا علي، وما زاد من صعوبته عدم قدرتي على الحديث بحرية، وربما سوء ظني بزوجي، وامتعاضي من إصراره على التواجد في اللقاء، وكذلك الأمر في اللقاء الثاني، إلا أن الأمر اختلف في اللقاء الثالث، والذي كان لقاء مصورا لإحدى القنوات الأجنبية في جزء منه، ومكتوبا لمنظمة حقوقية في جزئه الثاني، وفي كليهما اشترطنا عدم إظهار وجهي، والحديث باسم وهمي اخترته لنفسي.

في اللقاء المصور بقيت متحفظة على ما أردت إخفاءه منذ خروجي من السجن، واكتفيت بالحديث عن بعض التفاصيل وطرق التعذيب التي تعرضت لها أنا وزميلاتي، بالإضافة إلى ما كنا نسمعه عما  يتعرض له الرجال هناك، بينما وجدت نفسي أسرد دون توقف في اللقاء الحقوقي، والسبب هو أن الناشطة وعدتني بأنه ليس للنشر وإنما  لجمع معلومات عن السجون والمعتقلات والسجانين وأساليب التعذيب، الهدف وطبيعة الأسئلة كانت مختلفة، فضلا عن  أنها  أنثى، وسبق وأن التقت بالعديد من النسوة اللواتي هن في مثل وضعي، والأهم من ذلك أننا كنا بمفردنا نتحدث كصديقتين، فأفرغت كل ما في جعبتي من أسرار، وتحدثت عن كل ما رأته عيناي وسمعته أذناي.

ربما تكون ما أعتبرها أسرارا وأخشى إعلانها، لا تشكل خطرا علي، وفي نظر الكثيرين أن يتم اغتصاب رجال أمام امرأة، ليس جرما عليها أن تخشاه، ولكن بالنسبة لي هو كذلك، وأعتقد بأن لا فرق بين رؤيتي لعمليات اغتصاب لرجال وبين أن أكون أنا من وقع عليه الحدث، وربما لو اقتصر حضوري على اغتصاب النساء لكان الأمر مقبولا إلى حد ما، أما أن أقول لزوجي بأنني رأيت رجالا في هذه الأوضاع، فهو صعب جدا علي، على الرغم من أنني لم أكن الوحيدة، فقد كانوا يجبروننا جميعا على مشاهدة ذلك للضغط علينا.

أثناء اللقاء كان زوجي في الطابق السفلي، ولكنه بين حين وآخر يسأل عن حالي ويطلب الاطمئنان علي، وبعد أن انتهينا شعرت براحة لم أشعر بها سابقا، بينما هو شعر بالقلق وبطول المدة، وانعكس كل ذلك على كلينا، وما أن عرف بأننا انتهينا حتى هرع إلي يحضنني ويطمئن على حالي، ثم اصطحبني في نزهة قصيرة في المدينة حيث تم اللقاء، ثم صعدنا إلى السطح نطالع الغروب كالمراهقين، وكان هذا آخر لقاء أجريه.

واليوم زالت كل المخاوف سواء أكانت لدي أم لدى المحيطين، وتجاوزنا فترة الاعتقال، وأعيش منذ تحريري حياة طبيعية هانئة وسعيدة.

تم إخفاء بعض المعلومات بناءً على طلب “وردة” التي اشترطت عدم الخوض في أي تفصيل لم ترغب بذكره، من اسمها الحقيقي واسم مدينتها وصولا إلى مكان اعتقالها وتواجدها الحالي.

زيتون – وعد البلخي

المصدر: http://www.zaitonmag.com/?p=40852

#ناجيات_أم_ليس_بعد #Survivors_or_not_yet