logo.jpg

أهل زوجها حرموها من أطفالها وأبوها رفض استقبالها فاعتقلت مرة أخرى




وداد ابنة الرابعة والعشرون ربيعاً، من أهالي الغوطة الشرقية، يتيمة الأب والأم، كانت تعيش مع أشقائها الأربعة وأختها الصغرى، وتعمل في إحدى مشافي العاصمة دمشق، حين تعرضت للاعتقال من مكان عملها أواخر عام 2012، بتهمة مساعدة جرحى المتظاهرين.

قضت وداد شهرين في المعتقل لكنها ظلت تعاني من كوابيس حرمتها النوم، كما عانت من نوبات تشنج عصبي، وفترات كآبة شديدة، خضعت بعدها بإرادتها ورغبتها لجلسات علاج نفسية، وبمساعدة من عائلتها تمكنت من تجاوز شوطا كبيرا من محنتها.

ترى المختصة بإعادة التأهيل والمهتمة بدمج المعتقلين في المجتمع “منى عبود” أن التعامل المجتمعي السلبي مع المعتقلات لم يصل إلى درجة مستوى الظاهرة، رغم وجود الكثير من الحالات، مبررة ذلك بشريحة كبيرة ممن تعاملوا بإيجابية مع معتقلات أفرج عنهن وتم احتضانهم بحرص كبير من قبل ذويهم، معتبرة أن جزءاً من المسؤولية يقع على عاتق المعتقلة نفسها رغم كونها الضحية.

وتشير “العبود” إلى أن صمت المعتقلة وقبولها بالتلميح لها على أنها متهمة هو أولى ما يجب عليها رفضه، كما أن محاولة إخفائها لاعتقالها واعتقادها بأنه مصدر مهانة وعار لها هو ما يشجع الأخرين على التمادي في تحميلها اللوم والمسؤولية.

وتنصح “العبود” أن تبادر المعتقلة ذاتها إلى تقديم روايتها على أنها قضية تحرر شعب وثورة وليست جريمة وانحراف، معركة ما زال الشعب السوري كله يشارك فيها كل حسب مكانه وظرفه، ولم تكن المرأة بعيدة عنها، بل وكانت في أخطر الأماكن إلى جانب الرجال إن لم تكن في موقع أخطر.

ومن البديهي بحسب “العبود” أن يجرد السجين من إرادته سواء أكان رجلا أو امرأة، فما بوسعهم أن يفعلوه أمام سلطة السجان المطلقة والمتحكمة بالموت وبالحياة، وكيف بإمكان أيا كان أن يجابه يكون ذا قرار وهو مقيد بالسلاسل؟

وتضيف “العبود” أن من الواجب على كل معتقل مفرج عنه أن يسارع لمراجعة اخصائيين نفسيين طلبا للمساعدة في تجاوز آثار الاعتقال وعدم الاعتماد على الزمن في محو تبعاته، خصوصا إذا ما كان الاعتقال سياسيا ونتيجة لمعتقدات فكرية.

تقدم “العبود” تجربة إحدى المفرج عنهن كنموذج للرفض المجتمعي للمعتقلة، إذ تحكي عن أم لطفلين وزوجة شهيد، كان قد حكم عليها بالإعدام، خرجت من السجن “بأعجوبة” لكنها فوجئت بموقف أهل زوجها حين رفضوا إعطائها أبنائها لتعيش معهم، ما أجبرها على استئجار غرفة بجوارهم لرؤيتهم، بعد أن رفض والدها استقبالها في منزله أيضا، بعد شهرين فقط عادت قوات النظام لاعتقالها وما تزال اليوم في حكم المصير المجهول، كل هذا بسبب تعنت أهل زوجها الذين عرقلوا بحرمانها من أطفالها انتقالها للعيش في المناطق المحررة.

يحتاج المفرج عنهم من معتقلات الأسد فترة علاج طبي، وحتى برنامج غذائي خاص، فضلا عن تقديم الرعاية النفسية اللازمة كي يعود المعتقل ويتكيف مع نفسه ومجتمعه بشكل كامل، فالجحيم الذي يتعمد الجلادون وضع المعتقلين به ليس من السهل إخراجه من داخل النفس البشرية، وحجم الأهوال والخوف التي يبثونها في عمق وجدان المعتقلين تتحول إلى حالات نفسية وعصبية يستلزم التعامل معها بكل جدية بعد الافراج، لا سيما في حالات الاغتصاب والتداخلات الاجتماعية ومفاهيم الشرف والعار المستقرة في المجتمع.

فترة النقاهة:

يوضح الأخصائي النفسي “إياد تركاوي” في حديثه لزيتون ضرورة فترة النقاهة للمعتقل بعد الإفراج عنه، هذه الفترة يجب أن تتراوح بين الشهر والشهرين والمدة قد تطول وتقصر حسب فترة الاعتقال، فكلما طالت فترة الاعتقال وجب أن تكون فترة النقاهة أطول يتم خلالها بعد الرعاية الصحية الجسدية أن نهيئ له جواً يتيح له استرداد توازنه، أما الحاجة الداعية إلى ذلك فهي أن فترة الاعتقال التي تسبب العوز إلى كل شيء، وهذا التوازن في حال عدم تحقيقه سيزوي كامنا في اللاشعور لدى الفرد، ومن الممكن أن يصبح ميلا لسلوك مستقبلي مرضي، وهو ما قد يسبب تغيير المجرى الطبيعي لحياة الفرد.

ويضيف “تركاوي” أن الأمر لا يقتصر على الحرمان والعوز في معاناة المعتقل، بل يتعداه إلى سلبه مشاعر الكرامة والوجود البشري، وفي الحالة السورية يسعى النظام إلى سحق وجود المعتقلين حتى بعد الافراج عنهم، مستغلا حرص المجتمع واهتمامه بخصوصية النساء، لذا سعى جاهدا إلى وصمهم بعار الاغتصاب وانتهاك الأعراض، هذا ما يفرض على المعتقلة الحاجة إلى التفهم والاستماع إليها بإتاحة الفرصة لها للحديث عن تجربتها بشكل يضمن تعافيها، لكن الواقع يأتي بعكس ذلك مكمما رغبة المعتقلة بالحديث إن لم يعتبر حديثها عن ذلك حديثا غير مقبول اجتماعيا.

إن المؤشر على تعافي المعتقل من تأثيرات الاعتقال تظهر حين يكتفي بشكل تلقائي من الحديث عن ظروف اعتقاله ويتوقف عن اجراء المقارنات ما بين الحياة خارج المعتقل وداخله، بينما تشير رغبته بتذكر تفاصيل سجنه وإعادة الأحداث إلى استمرار عمل تلك الآثار في نفسه بحسب.

ويؤكد “تركاي” أنه ليس بالضرورة أن تتوفر لدى ذوي المعتقلين القدرة على إدخال المعتقل المفرج عنه في حالة النقاهة، لكن عليهم أن يبقوا متيقظين، لأن الفترة الأولى بعد الخروج من المعتقل ليست فترة طبيعية بالنسبة للمفرج عنه، ولا بد من فترة حتى تستعيد بها المعتقلة توازنها، وعلى الأقل ألا يضغطوا عليها وأن يتقبلوها وذلك أضعف الإيمان.

زيتون – عدنان صايغ

المصدر: جريدة زيتون

#ناجيات_أم_ليس_بعد #Survivors_or_not_yet