logo.jpg

ذاكرة الزنزانة: جحيم لا ينسى


لا ينتهي التعذيب الذي تعيشه المعتقلة داخل الزنزانة وفي أقبية الفروع الأمنية وغرف التحقيق بمغادرتها مفرجاً عنها إلى الحياة من جديد، بل ربما يكون التعذيب النفسي خارج المعتقل أصعب وأشد وطأة، لا سيما في حالة الناجيات اللواتي واجهن نبذاً اجتماعياً من وسطهن المحيط كالأهل والأقارب، ويترافق مع ذكريات عشنها داخل الزنازين.


تعتبر كثير من الناجيات أن شعوراً يتشكّل لدى المعتقلة أثناء اعتقالها تجاه من يعذبها بأنه غريب لا يمت لها بصلة ولا يعنيها، ويمكنها اعتباره عدواً تتوقع منه الضرر والأذى، ما يجعل هذا التعذيب ينتهي بمجرد توقفه، وجزء كبير مما يعانين منه خارج المعتقل هو امتداد لما شهدنه داخله.

تقول هند مجلي “لم أشهد أي نبذٍ اجتماعي بعد نجاتي، إلا أن التعذيب النفسي خارج المعتقل لا يقتصر على ذلك الأمر، فما شهدناه داخل المعتقلات يترك ندباً عميقة لا يمكن محوها بسهولة”، وتضيف “الأصعب بالتأكيد أن يكون الوسط المحيط، كالأهل والأقارب، سبباً بتلك المعاناة، فبدل أن تشعر الناجية بتعاطف وتضامن ممن هي بأمس الحاجة لهم لتجاوز آثار ما مرت به داخل المعتقل، فإنها تشعر نبذاً يسبب لها انكساراً عميقاً، وهي التي كانت تدور كل أحلامها وخوفها وقلقها داخل المعتقل حول أهلها وأقاربها وأصدقائها”.

وترى سيدرا الصواف أن التعذيب النفسي للناجيات خارج المعتقل لا يقاس بما شهدنه داخله، بل ربما كان ما تعانيه اليوم نفسياً هو من مخلفات ما مررن به خلال فترة الاعتقال، تقول “دامت فترة اعتقالي سبعة أشهر، شهدت خلالها الكثير من صنوف التعذيب النفسي والجسدي، استطعت التغلب عليها ومواجهتها، لكن يتبقى شيء ما لا أستطيع نسيانه ومحوه من ذاكرتي”، وتضيف “عندما أرى سيدة تجاوزت الخمسين من عمرها ومصابة بمرض السكّر وهي تصرخ وترجو السجان أن يسمح لها بدخول الحمام ويرفض، فتصبح محطاً لتهكّم الأخريات، ألا يعد هذا تعذيباً؟ هل لك أن تتخيل الوضع النفسي لتلك المرأة آنذاك؟”.

تعرفت سيدراعلى فتاة في الزنزانة لم تتجاوز العشرين من عمرها، اعتقلت بتهمة (جهاد النكاح)، تقول سيدرا “كانت هذه الفتاة تجلس بطريقة مكورة، وكأنها جنين في بطن أمها، دائمة الاهتزاز ورأسها مدفون بين قدميها، ولا تقوى على رفعه من شدة ما لاقته من صدمات إثر تعذيبها، ألا يعتبر هذا المشهد تعذيباً لكل من شاهدته؟ أنا أرتعش كلما تذكرته، إنه جحيم لا ينسى”.

وتؤكد سيدرا بأنها لاقت أياماً بعد نجاتها من المعتقل، وفي غربتها تحديداً، لم تجد فيها كساءً أو لقمة الخبز، وكانت تضطر للنوم في الشتاء على الأرض في غرفة صغيرة مع ابنتيها، إلا أنها تعتبر تلك الظروف أيام رخاء أمام ما شهدته داخل زنزانة اعتقالها، وما لاقته في غربتها استطاعت مواجهته والتغلب عليه بإصرارها ورغبتها في الحياة، وأن على كل ناجية تعاني نبذاً اجتماعياً بسبب اعتقالها، بإمكانها اللجوء لقوتها والوقوف على قدميها والعودة لحياتها من جديد، دون انتظار دعم من أحد.

تقول “لا شيء يعذبني اليوم سوى ذكريات الزنزانة ومن تركتهم هناك، فكلما سمعت خبراً عن إعدام إحداهن أو موتها داخل السجن، أصاب بحالة من الهلع والبكاء والانطواء، ربما تستمر لأسابيع”، وتضيف “لا أستطيع قياس ليلة مرت دون خبز بليلة داهم فيها السجانون الزنزانة بأقدامهم لتفتيشنا وإهانتنا”.

سوريتنا برس

أنتجت هذه المادة ضمن حملة #ناجيات_أم_ليس_بعد #Survivors_or_not_yet

المصدر: http://www.souriatnapress.net/%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%86%D8%B2%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D8%AC%D8%AD%D9%8A%D9%85-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D9%86%D8%B3%D9%89/

#ناجيات_أم_ليس_بعد #Survivors_or_not_yet