logo.jpg

ر. عبد السلام"... السجائر كانت السبب والمجتمع يرفضني من جديد


لم يخطر في بالها عندما تعلمت التدخين أول مرة من جارتها ذات الأربعين عاماً أن تكون علبة التبغ مسببة للمشاكل بهذا القدر، فقد كانت قصتها أشبه برواية من روايات الأفلام التي تعرض على التلفاز.

"ر.عبد السلام" إحدى نساء منبج تبلغ اليوم من العمر 45 عام، تعرضت للاعتقال من قبل #داعش بسبب تواجد علبة التبغ معها، وكانت مدة الاعتقال قرابة الأسبوع.

تبدأ الحكاية بالقول: خلال فترة داعش في منبج كان التبغ سلعة مفقودة وخطير جداً أن تتواجد في يد أي أحد من الرجال أو اانساء، وكان ثمنها مرتفع، كنت أتردد على حارة الحشاشين (حارة شعبية في منبج غربي الملعب البلدي) تتواجد فيها خياطة، أقوم عن طريقها بجلب علب التبغ، كي لا أثير الشبهات، وخلال تجولي في السوق أخفي العلبة في ملابسي وقد استمرت هذه الحالة لسنة ونصف تقريباً.

في أحد الأيام خلال تواجدي في السوق المسقوف، قام ابني الصغير بطلب شراء لعبة، وخلال قيامي بمحاسبة البائع سقطت العلبة من ثيابي، وكان هناك عنصر من الحسبة متواجد في المكان فقام على الفور بالتقاطها، وقام بإطلاق كلمات منها يا فاسقة، يا عاصية، يا ما تخافين الله، ما هذا المنكر.

كانت هذه العبارات كفيلة بدب الرعب في أوصالي، فقد عرفت أني قد وقعت في مشكلة لا خلاص منها، حاولت إنكار أنها سقطت مني، لكن دون جدوى، فقد كانت نساء الحسبة قد وصلن بسرعة إلى مكان تواجدنا على مدخل السوق المسقوف، وقد أثبت صاحب عربة الألعاب أن العلبة قد سقطت مني.

في سجن الحسبة أمر المسؤول أن أُسجن في سجن النساء لمدة 15 يوم مع الدورة الشرعية المغلقة، فطلبت منه أن أوصل ابني إلى المنزل في البداية فرفض وقال نحن نعيده ومنها تم نقلي إلى سجن النساء في حي السرب، وهناك بدأت كل المعاناة التي قد لا تدخل في بال أي إنسان.

عن السجن والدورة الشرعية التي خضعت لها تتحدث "عبد السلام" فتقول: في أولى لحظات وصولي كان كل تفكيري منصب على طفلي الذي تركته معهم وأبلغوني أنه عاد للمنزل وزوجي موجود يحاول الحديث مع المسؤول عن أمر اعتقالي، شعرت براحة كبيرة، لكنها لم تدم لفترة طويلة، فبعد فترة قصيرة من ذات اليوم جاءت مجموعة من النساء إلى المهجع الذي حبست فيه وكان عددنا في ذلك الوقت قرابة العشرين، بدأن في فرزنا إلى مجموعات، فكانت مجموعة للمتبرجات، ومجموعة لمخالفات اللباس الشرعي ومجموعة للمسافرات بدون محرم، ومجموعتي التي كنت بها المدخنات، خرجنا أربع نساء بتهمة التدخين، ومن بعدها نقلنا إلى المهجع الثاني.

وهناك بدأت إحدى النساء التي فرزننا بسؤالنا أسئلة دينية (من هو الله، و من هو الرسول، وكم ركعة لكل صلاة ، وكيفية الوضوء،......)، ومع كل إجابة خاطئة كانت تنهال على المجيبة جلدة بأنبوب مياه بلاستيك أخضر اللون بداخله تلمع قطعة معدنية طوله قرابة المتر.

لم أنجُ من الضرب شأني شأن البقية في المهجع ، فقد كانت الأسئلة كثيرة والتوتر الذي ساد في الغرفة سبب في خوف الجميع، وبعد هذه الجلسة قدمت لنا هذه المرأة كتيب فيه مجموعة من الأحاديث والآيات القرآنية وطلبت منا الحفظ فالدورة الشرعية ستكون عنها.

بدأنا بالحفظ والاستذكار من هذا الكتيب، ومع صلاة الفجر جاءت مرة ثانية، فبدأت الأسئلة ولكن هذه المرة لم تكن تحمل الأنبوب البلاستيكي، وبدأت بالسؤال بشكل عشوائي، كانت الأسئلة في البداية من الكتيب، ثم ما لبث أن أصبحت تسأل من القرآن الكريم، ومن الأحاديث وعن أحكام الجهاد والغاية منه.

كانت عقوبة أول إجابة خاطئة كفيلة بجعلك تنسى اسمك وليس معلومات قرأتها أو حفظتها منذ فترة، فقد انهالت المرأة على المجيبة ومزقت لها ثوبها من ناحية الصدر وبدأت تعضها، في البداية كنت أعتقد أن العض طبيعي وبالأسنان، لكن عندما بدأ الدم يخرج من جسم المرأة المجيبة نظرت إلى فم المرأة الداعشية لأجدها تضع أسنان من حديد وفمها كله دماء، وقد استهدفت بالعض منطقة الصدر و الرقبة للمرأة المسجونة معنا، في النهاية أخطأت بالإجابة ولم أنج من هذا العقاب أيضاً.

كانت الأيام التي تمر علينا كل يوم كأنه الدهر، ولا ينتهي إلا بأسلوب وحشي للتعذيب، كالعض والضرب وسكب الماء البارد ثم يليها ضرب بالسوط أو أي أداة أخرى.

وبعد انتهاء المدة الزمنية لهذه الدورة و التي استمر سجني معها لأسبوع كامل، كنت قد عدت للمنزل وفور دخولي للمنزل انهرت من التعب الذي أصابني وقلة النوم التي عانيت منها.

لم أكد أرى زوجي حتى بدأ بضربي، وشتمي وأنني قد جلبت له العار بهذا التصرف، واستمر على هذه الحالة قرابة الساعة، لكن كنت قد فقدت الوعي منذ الضربة الرابعة، استيقظت في اليوم التالي فوجدت أخت زوجي بجواري، وبدأت تسألني عما حدث معي في الداخل، وأنه بعد عودتي ضربني زوجي وفقدت الوعي وقد جاء أحد الممرضين وأسعفني ضمن المنزل وأن زوجي قد ندم على ما جرى بسبب منظر جسدي الذي انتشرت عليه أثار تعذيب أسبوع كامل.

وقد كانت كلماتها مطمئنة بشكل كبير، فهي الوحيدة التي تفهمت معاناتي، وبعد شهر كامل تمكنت من الحركة بشكل جيد وبدون مساعدة من أحد، كما أن آثار الكدمات الزرقاء على جسمي من الأنبوب كانت قد زالت إلا أنها حفرت عميقاً في قلبي.

لكن مع كل زيارة من زيارات الجارات أو المعارف والأصدقاء كانت تعاد نفس القصة، وأن فلانة قد دخلت وتم الاعتداء عليها، وأن فلانة قد تم تحويلها إلى سجن النساء في مدينة الباب وهناك رأت العجب العجاب، وفي نهاية كل زيارة كنت أبكي على حالي وعلى الذي جرى معي.

لطالما سمعت جاراتي يتهامسن أنه كيف لزوجي أن يبقيني على ذمته بعد أن سجنت لدى داعش، وكيف اقتنعوا مني أنني لم أتعرض للاعتداء أو يتم تقديمي لأي أمير في داعش، هؤلاء الجارات كن نفسهن قد جئن لتهنئني على السلامة.

تعتبر قصة (ر.عبد السلام) من القصص التي تسمعها كثيراً في منبج، فهناك الكثير النسوة في المدينة اللاتي عانين من ظلم داعش وبطشه خلال فترة تواجده في المدينة، وكان المجتمع ينظر لها بنظرة أنها ارتكبت جرماً يجب عليها الموت لتمحو آثاره، وقلة هن من النساء اللاتي استطعن مواجهة ضغط المجتمع والوقوف في وجهه وإعادة بدء حياتهن من جديد.

من: أحمد دملخي تحرير: لانا حاج حسن

المصدر: https://www.facebook.com/TMarboutaa/posts/2648291985241895?__tn__=K-R

#ناجيات_أم_ليس_بعد #Survivors_or_not_yet