logo.jpg

لم تطأ قدماي السجون لكنني لم أنج من كلام الناس



لا تنتهي معاناة الناجين والناجيات من المعتقل بمجرد خروجهم من السجن، فهناك بعض المصاعب التي تقف عائقا في طريقهم للإندماج في المجتمع من جديد، وممارسة حياتهم الطبيعية كما في السابق من أبرزها أمراض جسدية ونفسية، نتيجة ما تجرعوه في ظلام الزنازين، وذلك ينطبق بشكل عام على جميع الخارجين من خلف القضبان سواء كانوا ذكورا أم إناثا، بيد أن الإناث إلى جانب تلك العقبات، يعانين من قسوة في المعاملة من قبل بعض الناس في المجتمع المحيط، نظراً لما يحدث مع قسم منهن في بعض الأحيان داخل السجون من من اعتداءات.

تلك القسوة المجتمعية تأخذ أشكالاً مختلفة، فمن الناجيات من خسرت زوجها بجانب أطفالها وبيتها، و أخرى تعرضت لمواقف وأسئلة محرجة عما تعرضت له داخل المعتقل، وغيرهن تعرضن للنبذ من قبل بعض الجيران والأقارب، وغيرها من أشكال المعاناة التي تندرج تحت سبب واحد ألا وهو اعتقالها.

ترجع يمنى (اسم مستعار) سبب تلك القسوة بعقلية المجتمع المحيط الذي يسوده الطابع الذكوري في معاملته مع المرأة قائلة وتروي قصتها: “لم تطأ قدماي سجن النظام، ومع ذلك لم أنجو من الناس! فمررت بمعاناة مشابهة للتي تواجهها الناجية بعد المعتقل”. يمنى فتاة عشرينية تعرضت لموقف على أحد حواجز الفصائل العسكرية التي تقاتل ضد النظام، رغم أنهم لم يلحقوا بها الأذى، أو يتفوهوا معها بأي كلمة مكتفين بأخذ بطاقتها الجامعية مما دفعها للتشاجر معهم، فوجئت فيما بعد بتعرضها للأقاويل في مجتمعها على خلفية ذلك الموقف”.

تقول يمنى: “كنت ذاهبة بواسطة الحافلة مع مجموعة من أهل القرية إلى محافظة إدلب عام 2014، إذ كنت أدرس هناك، في تلك الأثناء كانت المدينة لاتزال تحت سيطرة النظام السوري، بينما مناطقنا خارجة عنه أي “محررة”، فأوقفنا حاجز للثوار، ثم أخذ بطاقتي وبطاقات الطالبات الجامعيات فقط، وقال إنه لن يعيدها، لم أتمالك نفسي حينها، فنزلت من الحافلة لأتبعه كي أعيد البطاقة، فتشاجرت معه وعلا صوتي، في الوقت الذي وقف فيه شبان قريتي يشاهدوننا دون أدنى تدخل، وكأن الفتاة التي أمامهم ليست ابنة قريتهم وقريبتهم، علما أنهم يعرفونني ويعرفون عائلتي، ثم انتهى العراك بيني وبين الشاب بإعادة بطاقتي”.

وتكمل يمنى: “وقعت تلك الحادثة في الشهور الأخيرة من 2014 حين كان الطلاب في إدلب يدرسون الفصل الدراسي الأول، وقتها كان الوضع حساساً نوعاً ما، لإن قسماً من الطلاب كانوا آتين من مناطق تضم “منشقين” أي من كانوا يخدمون مع النظام، ثم تركوه بعد قيام الثورة السورية، ثم انضموا لفصائل عسكرية وكتائب تحارب النظام، مما عرّض بعض أولئك الطلاب لخطر الإعتقال من قبل النظام، الذي  سبق وفعل ذلك مع عدد من شباب وبنات الريف المحرر، بعضهم عاد وبعضهم لا يعرف عنهم أي شيء، لذلك كانت حواجز المسلحين “الثوار” أي التابعين للفصائل العسكرية تدقق على كل من الشباب والبنات الذاهبين إلى مناطق النظام السوري.

تعود  يمنى لسرد قصتها بعد أن توقفت عن الكلام للحظات، ثم تضحك وهي تعض على شفتها السفلى، فتكمل: “ظننت أن القصة انتهت عند ذلك المطاف، إلا أني عندما صعدت الحافلة انتقدتني إمرأة لأني تشاجرت مع الرجل الذي كان على الحاجز، مخبرةً إياي أنني بإمكاني أن أحصل على بطاقة جديدة، بررت لها بأني كنت مضطرة لاسترجاع البطاقة لأنه ممنوع أن أدخل الجامعة بدونها، كما كان لدي حلقة بحث، علاوة على ذلك لست مضطرة لأن أدفع ثمن واحدة جديدة، لتصفعني بالجواب التالي”قد ما كان أنت بنت عيب يطلع صوتك”، فصمتت ليس لأن كلامها أقنعني أو أخجلني، إنما لأن عقلية عمرها تعود إلى سنين وعقود ولا يمكن تغييرها  بنقاش لدقائق”.

لم أرد عليها وتابعت طريقي للجامعة فصادفت أختي من بعيد، التي ما إن لمحتني ركضت إلي مذعورة وخاطبتني لاهثة :”لك شو صار معك فهميني؟” نظرت إلى ساعتي. مضى على الحادثة 37 دقيقة، يا ألهي ما هذه السرعة التي تمكن الركاب بها من نقل القصة؟ استأذنتها بالذهاب إلى مناقشة الحلقة التي تأخرت عليها ربع ساعة، مما دفعني لسرد الحكاية للدكتورة”.

تتابع وهي تحرك يديها ورأسها منفعلة: “بعد أن ناقشت الحلقة، خرجت فتبعني مجموعة من الفتيات اللواتي يكرهنني، لأنني أقطن في مناطق المعارضة، فقالت لي إحداهن وهي تغمز بعينها: “ما صار معك شي هيك هيك؟”، ثم أخذتهن موجة من الضحك بصوت عال، لم أعتب عليهن لأنهن غريباب مقارنة بركاب الحافلة الذين”شرشحوني” ناشرين القصة في القرية منذ اليوم الأول، مما أوصلها لعائلتي، فذلك الذي قال أني عندما تشاجرت مع الشاب الموجود على الحاجز كنت أرتدي معطفاً قصيراً، وآخر أضاف تفاصيل أخرى مستخدماً خياله الواسع”.

بعد فترة جيدة من الحادثة ظنت يمنى أن الناس نسوا، إلا أن ذلك كان من الوهم، وعن ذلك تقول الفتاة:” بعد مضي فترة من الزمن، أتت ضيفة إلى السكن الجامعي، فبعد التعارف قالت لي بعد أن تملكها الذهول: “أنت يمنى!!!أنت اللي نزلوكي الثوار على الحاجز” زميلاتي صعقن حينها وبدأ خيالهن يذهب يمينا وشمال، وأخذت نظرات الاستغراب تنهشني في تلك اللحظة، تملكتني الرغبة وقتها بأن اتصل بشبان القرية وأشتمهم الواحد تلو الآخر”.

رغم أن مدة الموقف الذي مرت به يمنى قصيرة للغاية، إلا أن سلبياته على صاحبة العلاقة كانت كبيرة للغاية، وذلك لإنها في مجتمع يلوم المرأة على أبسط موقف تمر به، وإن لم تكون مسؤوله عنه، ولا تحمل أي ذنب فيه.

تقول يمنى في ختام لقائنا :”هل من المعقول أن تكون وقفة على حاجز لدقائق كي أعيد بطاقتي الجامعية، كفيلة بأن تدفعتني بالي مع سمعتي ثمنا لها، لتقحمني في جدال طويل مع الناس. يا ترى ما حال التي كانت معتقلة لدى النظام السوري وداعش، ومن تعرضن لاعتداء داخل المعتقلات؟ “كان الله بعونهن”.

غاردينيا الإسماعيل (عيني عينك)

المصدر: https://womenofsyria.com/2019/05/07/%d9%84%d9%85-%d8%aa%d8%b7%d8%a3-%d9%82%d8%af%d9%85%d8%a7%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%ac%d9%88%d9%86-%d9%84%d9%83%d9%86%d9%86%d9%8a-%d9%84%d9%85-%d8%a3%d9%86%d8%ac-%d9%85%d9%86-%d9%83%d9%84%d8%a7%d9%85/

#ناجيات_أم_ليس_بعد #Survivors_or_not_yet