logo.jpg
  • ناجيات أم ليس بعد

هل ساهمت المناطق الثائرة في دعم الناجيات السوريات من الاعتقال؟



“في تجربتي، ساعدني جداً أنني ابنة مدينة درعا التي انطلقت منها شرارة الثورة، حيث كانت تعيش جواً مشحوناً بالغضب بسبب عنف النظام، واستشهاد واعتقال العديد من أبنائها، شعرت بتضامن الناس معي في العائلة والحي والعمل، اعتبروني بطلة، وقدروا تجربتي عالياً”.

هذا ما قالته هند مجلي، وهي مدرسة لغة إنكليزية لمدة 25 عاماً في مدارس درعا، خلال حديثها، وإحدى الناجيات من سجون الأسد بعد أن تم اعتقالها مرتين، الأولى في نيسان 2011، حيث اعتقلها فرع الأمن السياسي في درعا، واقتيدت إلى دمشق لتبقى 14 يوماً في فرع فلسطين، ثم أفرج عنها عن طريق القضاء العسكري، وفي المرة الثانية اعتقلت في دمشق في أيلول 2012، في فرع فلسطين، والذي أمضت فيه مئة وعشرين يوماً.

صوت هند يضاف لكثير من قريناتها من الناجيات، اللواتي وجدن في مناطقهن الثائرة بيئة حاضنة لتجربتهن بعد نجاتهن من المعتقل، وربما كانت تلك حالة جديدة أو ظرف ناشئ في البيئة الاجتماعية لمناطق سورية عدة، يغلب على أهلها الطابع المحافظ، إلا أنهم هبوا بأسرهم في وجه الطاغية منذ اندلاع الثورة، مما غير نظرة هذه البيئة ككل للتعاطي مع المعتقلات النساء، فإدراكهم لوحشية النظام وممارساته داخل المعتقلات، جعلهم أكثر وعياً للأمر، وتضامناً واحتضاناً لبناتهم بعد خروجهن من المعتقل.

وبحسب أبو رامز (اسم مستعار)، 50 عاماُ، يقيم في إسطنبول التركية، وهو من أهالي زملكا في الغوطة الشرقية لمدينة دمشق، ومعتقل سابق لدى قوات النظام، فإن أهالي الريف الدمشقي في غالبيتهم، لم يكونوا كما كانوا عليه اليوم من تضامنهم مع المعتقلات لو لم تشهد مناطقهم حراكاً ثورياً ضد النظام، ويضيف أبو رامز “تربطني قرابة بناجيتين من المعتقل، احتضنتهن العائلة بما فيها الزوج، وساعدوهن بالسفر خارج سوريا، وأخرى وجدت عائلتها قضت قصفاً حين خروجها، ولم تجد سوى زوجها الذي دعمها ولم يتخلّ عنها”، ويؤكد أبو رامز “أنا شخصياً أجد الأمر منطقياً جداً الآن، ومن واجبنا الوقوف معهن، إلا أنني لم أكن لأتقبل ذلك لو كان الاعتقال قد تم قبل الثورة، حتى لو كانت زوجتي أو ابنتي هي المعتقلة، لذا فعلينا أن نساهم جميعاً كأهالي بزيادة الوعي تجاه قضية المعتقلات”.

المناطق الثائرة حمت الناجيات

الحراك الثوري في المناطق السورية التي خرج أهلها ضد النظام ساهم في تنمية الوعي الاجتماعي تجاه قضية المعتقلات، فيدرك الكثير منهم أن الظلم الواقع عليهن لا يختلف عما عانوه هم من الممارسات الوحشية لقوات النظام.

الأمر الذي تؤكده عائشة ديراني، وهي ناشطة من مدينة داريا، تبلغ من العمر 65 عاماً، وتقيم حالياً في إسطنبول، تقول عائشة “نعم لقد شفعت المنطقة الثائرة للناجيات من المعتقل بأن يتقبلها المجتمع المحيط بها، وخاصة لدينا نحن أبناء الريف”، وتضيف عائشة “التقيت بإحدى الناجيات في لبنان، والتي كانت قد اعتقلت عند أحد الحواجز وأجبرت على الاتصال بزوجها ليأتي ويأخذها، إلا أنه وقع أسيراً معها في أيدي قوات النظام ولم تره منذ ذلك الوقت، وعند خروجها لم تجد أهلها، إذ كان معظمهم قد قضوا جراء القصف على بلدتها الكسوة في ريف دمشق، ولتعلم أيضاً أن زوجها قضى في المعتقل تحت التعذيب، إلا أن أهالي بلدتها تضامنوا معها وساعدوها بالسفر إلى لبنان”.

توضح عائشة أن أهل البلدة لم يكونوا ليتضامنوا معها بهذا الشكل لو لم تكن منطقتهم ثائرة أصلاً، وتواجه أقسى أنواع الظلم، وهم على يقين تام من الأسباب التي اعتقلت لأجلها وما عانته داخل المعتقل.

تدعّم عائشة رأيها بالقول “قبل الثورة كان الرعب يسيطر على قلوبنا جميعاً، نحن كل من يعارض النظام ضمناً، لأن كل منا عرضة للاعتقال لأي سبب، ولذلك كانت العائلات حريصة على بناتها بشدة خشية وقوعهن في أيدي النظام، لأن تعاطي المجتمع الريفي حينها مع المعتقلة ونظرته تجاهها لم تكن بهذا الشكل الذي هي عليه بعد الثورة”.

وخلافاً لذلك، فقد لاقت صباح (اسم مستعار)، وهي إحدى الناجيات من فرع الجوية في مدينة حماة، مالم تتوقع من زوجها، الذي لم يشفع له انشقاقه عن جيش النظام وانضمامه لصفوف الثوار، في اعتباره لاعتقالها “عاراً” ألحقته به، فانفصل عنها فور خروجها، وهي التي اعتقلت أصلاً بسبب انشقاقه، إلا أن أهلها لم يتخلوا عنها، فقد دعموها منذ نجاتها، وساعدوها لتغادر سوريا وتسافر وحدها.

عانت صباح كثيراً حتى وصولها إلى لبنان، لتعيش هناك أزمة نفسية وصحية كبيرة، دفعتها للجوء إلى أوروبا حيث تقيم الآن، إلا أنها استطاعت تجاوز محنتها ورعاية نفسها بنفسها، حتى أنها قدّمت شهادتها مع معتقلين آخرين ضد النظام أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف.

الدعم نفسه لاقته هند من أهلها وجميع أفراد عائلتها، بعد أن أخبرتهم منذ بداية الثورة أن هذا خيارها الذي لن تحيد عنه، حتى لو كلفها هذا اعتقالاً أو رصاصة تودي بحياتها، تقول هند “خفف ذلك عليهم وطأة اعتقالي، ولكن انشغالهم وقلقهم كان كبيراً ودائماً، فقد كان دأبهم الاطمئنان على صحتي النفسية والجسدية، رغم علمي ضمناً أنهم عانوا من المجتمع المحيط بهم، والذي كان ضد الثورة، لكنهم لم يحطوا من عزيمتي يوماً”.

أنتجت هذه المادة ضمن حملة

#ناجيات_أم_ليس_بعد #Survivors_or_not_yet

المصدر: https://www.souriatnapress.net/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%aa%d9%82%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%a7%d8%aa/